كتب: ازمات الشباب الجزء الثالث
Unknown | 4:22 م |
كتب
من هو
الإنسان؟
1- جانب
"الحيوانية" في الإنسان.
2- جانب "العقل"
في الإنسان.
3- الرابط ما بين
الجانبين.
4- الغرائز والشهوات.
5- المادة والروح.
6- الغيب والشهادة.
7- "التفكير"
هو: عمل العقل.
8- العقل والهوى.
من هو الإنسان؟
الإنسان مخلوق
مميز، أكرمه الله تعالى بالعقل، وشرّفه بأصله "آدم " عليه السلام، الذي
خلقه من سلالة من طين.. ثم خلق ذريته من ماء مهين، وسخّر له الأشياء، ليعيش على
الأرض ويستعمرها، كما قال عز وجل:{ وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخّر
لكم الليل والنهار* وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الليل والنهار*
وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفّار}.
فكان من بني آدم: مؤمن وكافر. وصالح وفاجر.. وظالم وعادل.. وشينال كل إنسان جزاء
ما كسبت يداه: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر.
إن قصدنا من
هذا السؤال:"من هو الإنسان؟" ليس الكلام في خصائص الإنسان، ومراحل
تكوينه، بل مرادنا أن نتوقف عند التعريف المنطقي لـ "الإنسان"، لأنه
تعريف يشرح الشخصية الإنسانية ويفرز خصائصها، ويحدّد حقيقة كل جانب من جوانبها،
فيسهل بالتالي معرفة مستويات الناس المختلفة المتفاوتة، ويسهل أيضا معرفة أسباب فلاح
المفلحين، وخسران الخاسرين، وهذا هو هدفنا من هذا الكتاب.
فأزمات الشباب
ليست سوى نتيجة لفشل، أو: تقصير، أو: تغرير يقع فيه الشباب، أو بعبارة أخرى: فإن
الأزمات نتيجة سوء تصرّف يصدر عن الإنسان، بحقّ نفسه، أو بحق الآخرين..
لقد عرف علماء
المنطق "الإنسان" بأنه:" حيوان ناطق"، وذلك للدلالة على
"المفرد" من الناس، وتمييزه عن غيره من الحيوان، المشارك له في جزء من
التعريف، كما سنرى لاحقا وإليك بيان ذلك.
1- جانب الحيوانية في
الإنسان
"الحيوان":
صيغة، مثل: "الغليان"، و"الميدان"، وهي تعني الحركة الحيّة
كقوله تعالى في وصف الآخرة:{ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}، أي:
لهي الحياة الكاملة السالمة من المنغّصات، ولا تكون الحيوانية في الكائن الحيّ،
إلا إذا دبّت فيه "الروح"، فالروح جزء لا غنى عنه في هذا الجانب، من كل
كائن حيّ، ومن هنا ندرك: أن الذين يصنّفون "الروح" في الجانب الاخر
للإنسان، فيقولون: "الإنسان: مادة وروح"، ويعنون بالمادة: الجسد،
وبالروح: العقل والفكر، وما يتعلق بهما، هم مخطئون في هذا التصنيف، لأن المادة لا
تعتبر شيئا مهما من دون "الروح"، فأجرام جسد الإنسان وغير من الأحياء،
وخلاياه كلها، لا تشكّل من دون الروح جانبا يذكر، لذلك لا يصح التصنيف المتبع
للجسم البشري والشخص الإنساني، بأنه:" مادة وروح"، بل الصحيح أن
يقال:" إنه حيوان وعقل" كما سنبيّن لاحقا في كلامنا عن "المادة
والروح" في البند الخامس.
إن جانب "الحيوانية" في الإنسان،
يشمل جميع الشهوات والميولات والرغبات، التي خلقها الله تعالى فيه، ومن أهمها
وأخطرها: شهوتا "البطن" و "الفرج"، وما يتعلق بهما، فشهوة"البطن" تتعلق
بالمأكل والمشرب، وبالسعي الى كسب ما يمكّن الإنسان منهما من وسائل وأسباب، وشهوة
"الفرج" تتعلق بالزواج، وما يترتّب عليه من إنجاب الذريّة، والإنسان
مأمور بسلوك السبل المشروعة، وهو يسعى للحصول على هذه الشهوات، ولا يجوز له أن
يسلك المسالك المحرمة لتحقيق رغبة من رغائبه، وإن فعل فهو آثم، تماما مثلما يؤجر
ويثاب على سلوك السبل الشرعية، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم الى هذا المعنى
فيما روه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:" من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه، أضمن له
الجنة" أي: اللسان والفرج. وليس هذا غريبا، فإن المتأمل يدرك: أن مآل كل سعي
الإنسان، ينتهي إلى إشباع شهوتي بطنه وفرجه.
إذن: فجانب "الحيوانية" في الإنسان
هو عبارة عما يلي: جسد حيّ من لحم ودم وعصب وعظم، يحتاج الى: المأكل، والمشرب،
والمنكح، والملبس، والمسكن.. إلخ. وشهواته هذه تجوع بعد شبع، وتشبع بعد جوع، وهكذا
دواليك، وهو يطلب هذه المطالب الفطرية، ويسعى ويتعب من اجل الحصول عليها إشباعا
لرغائبه وشهواته، فهو والحالة هذه، يتفق مع أي كائن حيّ آخر، يشاركه الشّبه في
التكوين، فالإنسان من هذا الجانب: "حيوان"، و"الحصان" كذلك
"حيوان".
ولو أن الإنسان كان بلا عقل، لكان بهيمة بهماء،
ودابّة عجماء، وهذا الجانب هو نقطة الضعف في الإنسان كما وصفه الله عز وجل بقوله:{
وخلق الإنسان ضعيفا}، فهو ضعيف في قوته الجسدية، وضعيف في مواجهة الصعوبات
والمغريات، وعلى الأخص: إغراء المال...، والجاه...، والمرأة...، فالإنسان في مواجهة هذه الإغراءات أضعف ما يكون، لأنها
شهوات حلوة، مزيّنة، مغرية فاتنة، كما
وصفها الله تعالى بقوله:{ زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير
المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث}.
لذلك كان على المسلم أن يستعين بالله تعالى في
مواجهة كل المغريات، وأن يكون حذرا في تعامله وتعاطيه وتصرّفاته مع الناس، لئلا
يغريه الشيطان، فتزلّ قدمه على الصراط، ويقع في الزلل؛ ولكي يتمكّن الإنسان من
الإحتفاظ بتوازنه، فقد أكرمه الله عز وجل بالجانب الآخر، وهو: جانب
"العقل" الذي اختصه به من بين سائر "الحيوان"..
***
2- جانب العقل في الإنسان
لقد عبّر علماء المنطق عن هذا الجانب بوصف:"ناطق"، فقالوا:" الإنسان
حيوان ناطق"، لأن "النطق"
خصوصية إنسانية من بين سائر "الحيوان"، وهي خصوصية ظاهرة
محسوسة.. ولا تصدر إلا عن كائن عاقل، فكان
تعريف الإنسان بها، أدق من تعريفه بالعقل، لخفاء أمره لولا النطق، فالإنسان لو لم
يكن ناطقا، لما أمكن إثبات كونه عاقلا، ولو فعل ما فعل من دقائق الأعمال، وغرائب
الصناعة والحركات والأصوات، فإن لكل الحيوانات الأخرى أعمالا غريبة، يبلغ بعضها
حدّ العجز عن إدراك أسراره، كالنحل والنمل، في إتقان بيوتها، وجني رزقها، مما أدهش
العقول، وخيّر الألباب، وهي بلا شك حيوانات لا عقل عندها ولا نطق، فلو أنّ الإنسان
كان مثلها لا يتكلم، لما أمكن معرفة أنه عاقل، لانعدام النطق المعبّر عنه كما
ذكرنا، وأما ما جاء في القرآن الكريم، من نسبة القول الى "النملة"،
وتعليم "سليمان" عليه السلام منطق الطير، في قوله تعالى:{ فلما أتوا على
واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يطمنّكم سليمان وجنوده وهم
لا يشعرون* فتبسّم من قولها..}، وقوله تعالى عن سليمان عليه السلام:{ وقال يا أيها
الناس علمنا منطق الطير}، فلا يعني:"النطق" بعقل، المماثل لنطق الإنسان،
بل هو قول ألهمه الله تعالى للحيوان، هو عبارة عن أصوات معيّنة علمه الله إياها،
تصدر عنه بالغريزة لا بالعقل، لذلك لا يخطئ الحيوان في أصواته أبدا.. بل هي أصوات
يصدرها على نسق معيّن، يدركها أبناء جنسه من الحيوان بغرائزهم، أما الإنسان فليس
أمره كذلك، بل إنه يفكّر قبل أن ينطق، ويتكلم بالصدق وبالكذب، وبالخطأ وبالصواب،
وبالحق والباطل، ويتصرّف بلسانه ولغته كما يشاء.. لأنه عاقل.. والدليل على كونه
عاقلا: أنه " ناطق".
***
3- الربط ما بين الجانبين
إن تقسيم شخصية الإنسان على نحو ما تقدّم، لا
يعدو أن يكون تقسيما نظريّا، أما من حيث الواقع، فالإنسان لا يكون إنسانا إلا
بجانبيه: الحيواني ـ الجسدي ـ والعقلي، مع التأكيد على تقدّم الجانب العقلي في
الإنسان على الجانب الحيواني، في الفضل والمرتبة، وعلى أن "العقل" هو
الذي يعطي " الإنسان" المعنى الصحيح لإنسانيته.
والإسلام بتكاليفه وأحكامه، خاطب "
الإنسان".. كل الإنسان.. من دون فصل أو تقسيم.. معتبرا إياه شيئا واحدا، فلم
يخاطب فيه جانبا دون الآخر ولم يعامله على أنه جسم حيّ متحرّك كسائر الحيوان.. ولا
على أنه لطيف مجرد كالملائكة.. بل وجّه إليه الخطاب بالتكليف، باعتباره إنسان
متكاملا، وخاطبه بالترغيب والترهيب، اختبارا لحوّاسه ومواهبه وعقله، وأخبره بأنه
إن أحسن فلنفسه، وإن أساء فعليها، وبأن المؤمن سيدخل الجنّة بجسده وعقله وروحه،
وكلّ حواسّه، وأنّ الكافر سيدخل النار كذلك.
وقد وبّخ الله تعالى الكافرين، بأنهم شرّ من
دبّ على وجه الأرض، لأنهم كفروا، وجرّدوا أنفسهم من نعمة الإنتفاع بالعقل، فقال عز
وجل:{ إنّ شرّ الدوابّ عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون}.
كما بيّن سبحانه وتعالى: أن سبب وقوع أهل النار
في الضلال، هو تعطيلهم لحواسّهم التي هي روافد العقل، حتى صاروا وكأنهم لا أسماع لهم، ولا أبصار ولا قلوب، بل
صاروا أجسادا حيّة متحرّكة، كالأنعام، فاستمع أيها المؤمن الى ما قاله الله تعالى
في هذا المعنى، وتأمّل واعتبر.. وقل: الحمد لله على نعمة الإيمان.. قال تعالى:{
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا
يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم
الغافلون}، وقال جلّ وعلا:{ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم كالأنعام بل
هم أضلّ سبيلا}، ويقول سبحانه مخاطبا رسوله الأمين محمدا صلى الله عليه وسلم،
مبيّنا حال الكافرين الغافلين، الذين يستمعون إليه، ولا يسمعون، وينظرون إليه ولا
يبصرون:{ ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصمّ ولو كانوا لا يعقلون* ومنهم من
ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون* إن الله لا يظلم الناس شيئا
ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون}.
***
4- الغرائز والشهوات
شاع على ألسنة كثير من المتعلمين، وفي
كتاباتهم، إطلاق "الغريزة" على "الشهوة" في الإنسان، وهذا خطأ
فادح، بل إن من هؤلاء من أطلق على " الفطرة السليمة" المعروفة بـ
"التديّن" وصف " الغريزة"، فسمّوها :" غريزة
التديّن"، ووجه الخطأ في ذلك، واضح في المعنى اللغوي لكل واحدة من هاتين
الكلمتين؛ فمن العودة الى قواميس اللغة العربية يتبيّن ما يلي:
[" الغريزة": الطبيعة، وجمعها:
" غرائز"، و"الشهوة" هي: إشتياق النفس إلى الشيء، وجمعها
"الشهوات"، وهي الاسم من فعل:" شهي الشيء، واشتهاه"، إذا
أحبّه ورغب فيه].
فواضح من تعريف "الشهوة" هذا، أنها
اشتياق الى الشيء، وحبّ له، ورغبة فيه، وذلك لا يكون إلا من عاقل، أي: إنسان، بخلاف "الغريزة"، فهي طبيعة في
البهائم، أي: جبلة جبلوا عليها، لا عقل يحرّكها، ولا إدراك يوجّهها.
فالبهائم لا تشتهي.. وليس فيها
"شهوة".. لانعدام العقل، فهي لا تستعرض اللذائذ والأطايب كما يفعل
الإنسان، فتثور لديها الرغبة فيها والميل إليها، بل هي لا تتحرّك إلا إذا أحسّت
بوجود مأكلها أو مشربها أ, نزوها، فعند ذلك تنقضّ وتقبل، من دون تروّ ولا تمهّل،
وعلى سبيل المثال، فإن الفحل من البهائم، ينزو على الأنثى نزوا بلا رويّة،
فيقال:" نزا الفحل"، ولا يقال ذلك في الإنسان إذا جامع زوجته، لأن
"المجامعة" بين البشر، هي غير "الضراب" بين البهائم.
وبالعودة الى آيات القرآن العظيم، نجد إستعمال
"الشهوة"، وسائر إشتقاقات هذه الكلمة، في الكلام عن الإنسان فقط، ولم
يرد ذكر "الغريزة" ولا مرة واحدة في القرآن الكريم، لأنه خطاب للبشر، بل
جاء تشبيه الكافرين بالدواب والأنعام، كما ذكرنا في العنوان السابق.
أما الإنسان فقد خلق الله تعالى فيه
"الشهوة"، وخلق له
"الشهوات"، قال تعالى:{ زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين
والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث}، فهذه كلها
"شهوات"، وقال تعالى عن قول لوط عليه السلام لقومه:{ إنكم لتأتون الرجال
شهوة من دون النساء}، فسمّى تلك الفاحشة:" شهوة" ولم
يقل:"غريزة". وحذّر الله تعالى الذين يتّبعون "الشهوات" من
سوء العاقبة، فقال تعالى:{ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف
يلقون غيّا}.
وكذلك في الاخرة حيث ينال المؤمنون في الجنة ما
يشتهون، كما قال تعالى:{ وفيها تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين}.
وملخّص القول: أن "الشهوة"، من خصائص
الإنسان، وهي قد تكون مباحة، وقد تكون محرّمة يأثم بها فاعلها، ومن
"الشهوات" ما يؤجر عليها المرء، كشهوة الجماع بالزواج،، وتحرّي الكسب
الحلال، وقد جاء ذلك في الحديث الشريف، فيما رواه الإمام مسلم من حديث أبي ذر
الغفاري، رضي الله عنه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:" وفي بضع أحدكم
صدقة" أي: في جماعه زوجته، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له
فيها أجر؟ قال:" أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في
الحلال، كان له أجر".
أما "الغريزة" فهي من البهائم خاصة،
فلا تطلق "الغريزة" على شيء من خصائص الإنسان، فلا يقال:" غريزة
حبّ البقاء"، ولا "غريزة التديّن"، بل هما فطرتان، فطر الله عليهما
الإنسان، فهو يحبّ الحياة بالفطرة العاقلة التي فطره الله عليها، لا بالغريزة
العجماء العمياء البهماء، والإنسان ميّال بفطرته الى الإيمان، إلا إذا انحرف به
والداه فنشّآه على خلاف الفطرة، قال الله تعالى:{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله
التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا
يعلمون}، ومعنى قوله تعالى:{ لا تبديل لخلق الله} أي: لا تبدلوا خلق الله تعالى،
ولا تغيّروا في المولود فطرته التي فطره الله عليها، لأن كثيرا من الوالدين،
يغيّران هذه الفطرة، ويبدّلانها، بعقائد الكفر والضلالن كما جاء في الحديث الشريف
الذي تقدّم نصّه في المقدمة.
فهي إذن: "الفطرة.." لا
"الغريزة"، فيقال: "فطرة التديّن" و"فطرة حبّ الحياة
والبقاء".. إلخ.
***
5- المادة والروح
درج الكثيرون على تعريف "الإنسان"
بأنه: "مادة وروح"، من دون تحديد لمرادهم بكل منهما، حتى شاع هذا
التقسيم، وصار متداولا مألوفا، ولقد كنت ممن يذكر ذلك بالتقليد للآخرين، ولكن:
عندما فكّرت في " الإنسان"، وما أودعه الله فيه من آيات، أدركت كم نحن
بحاجة الى إعادة نظر، في كثير من
المصطلحات والكلمات لتي نستعملها،ومنها كلمتا:"المادة والروح".
إن لكل
من :"المادة" و"الروح"، إستعمالات ومعاني متعددة، فللمادة في
المفهوم "الماركسي" الشيوعي مفهوم خاص ملخصه: [ أن الإنسان والكون،
"مادة" تتطور بنفسها ذاتيا، من دون خالق، وأنّ تطوّر المادة هذا، هو
الذي انبثق عنه وجود الكائنات..].
فالمادة في المفهوم الماركسي، ليست جانبا من
شخصية الإنسان، بل هي أساس وجوده، ولا يخفى: أن "الشيوعية" تنكر وجود
الله الخالق عز وجل، لأنها عقيدة إلحاد وكفر.
وهناك مذهب أو مفهوم آخر للمادة، فحواه: أن
"المادة" في الإنسان عبارة عن "الجسد"، يقابله جانب
"الروح"، فهؤلاء يرون: أن جسد الإنسان هو "المادة".
وهناك من يرى "المادة" معبّرة عن
الجانب الدنيوي في الإنسان، أي: "الجسد" وشهواته ورغائبه، ويرى
بالمقابل: أن "الروح" تعبّر عن
الجانب المعنوي العقليّ فيه، فقسّموا الإنسان على هذا الأساس، فقالوا: "
الإنسان مادة وروح".
وأيضا لا ينبغي أن نغفل التعريف
"الكنسي" لللإنسان، فإن له تأثيرا كبيرا على المفاهيم التي أشرنا إليها،
فالإنسان في المفهوم "الكنسيّ" يتكوّن من ثلاثة عناصر هي :"الروح
والنفس والجسد"، ومستند النصارى في هذا التعريف لللإنسان هو قول "بولس"
بهذا المعنى الوارد في رسالته الأولى الى "أهل تسالونيقي"، فـ
"الجسد" عنده، هو: الجزء المادي في تكوين الإنسان، و"النفس"
هي: عنصر الحياة الحيوانية، وفيها يشترك الإنسان مع الحيوان وعليها يتوقف الفهم
والحركة والإحساس، و"الروح" هي: العقل.
و"النصارى" أيضا يطلقون
"الروح" على "الله"، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا،
فيقولون:" الله روح أبديّ سرمديّ"، ومفهومهم للروح بهذا المعنى، هو الذي
ينتسب كهنتهم إليه، فيسمّون أنفسهم:"رؤساء روحيّين"، فالرئيس الروحيّ
عندهم هو : كل "كاهن" أعطي صفة كهنوتية، وبالمقابل، فهم يطلقون على
غيرهم وصف:"العلمانيين"، أي: غير "الروحيّين اللاهوتيين".
بعد هذا الإستعراض لمفهوم "المادة
والروح"، نرى أن الذين قسّموا شخصية "الإنسان" إلى"
"مادة" و"روح" مخطئون، وذلك لأسباب التالية:
أولا: عدم وضوح المراد حصرا بكل من:
"المادة" و"الروح"، ومعلوم أن التسمية بشيء لا تصحّ، إلا إذا
كانت وافية بالتعريف، مفيدة للمعنى المقصود، فالذين أطلقوا هذين اللفظين على
الإنسان، لم يحدّدوا المراد بكل منهما، فلا يزول الإشكال.
ثانيا: إن "المادة" في الإنسان لا
تنفصل عن "الروح"، لأن الجسد البشريّ من دون روح، هو جماد كالحجر،
ومعلوم أن ما يميّز الجسم البشريّ عن سائر الجمادات، إنما هو "الحياة"
المستقرّة فيه، أي: "الجانب الحيواني" الذي ذكرناه سابقا.
ثالثا: إن الذين أطلقوا "الروح" على
"العقل" مخطئون، لأن "الروح" غير "العقل"، فهما
مخلوقان متغايران، والعقل لا يعمل إلا بالروح، فالروح هي المحرّك لكل من
"الجسد والعقل"، فكيف تكون "الروح" في جانب، وما تعمل هي فيه
في جانب آخر؟...
فظهر واضحا: أن تقسيم " الإنسان" الى
"مادة وروح"، تقسيم غير صحيح، ولا ينطبق على الواقع، وأن التفصيل الصحيح
لشخصية الإنسان هو أنه: "حيوان ناطق"، أي: عاقل، كما بيّناه سابقا، وإذا
أردنا أن نجاري ما شاع في تعريف الإنسان فنقول: الإنسان مادة وعقل".
***
6- الغيب والشهادة:
كما أن في الإنسان جانبين هما: "جانب
الحيوانية" وما فيه من حوّاس وأعضاء، و"جانب العقل" وما ينتج عنه
من فهم وعلم ومعرفة، فإن الموجودات كلها تنقسم أيضا الى قسمين هما:
1- "عالم
الغيب"، وهو: ما لا يدرك بالحوّاس، ويعرف هذا القسم بـ "عالم ما وراء
المادة".
2- و"عالم
الشهادة" أي: عالم المحسوسات الذي تدرك بالحوّاس، ولا يلزم لإدراكها
"عقل".
ولكي يتمكّن الإنسان من التعرّف على هذين
العالمين، والتصديق بهما، فقد خلقه الله تعالى جامعا للحوّاس وللعقل معا، ليدرك
بحوّاسه المحسوسات، ويصدّق بعقله بالغيب ويؤمن به.
وقد أشار القرآن العظيم الى هذه المعادلة
بوضوح، في قوله عز وجل:{ ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم* الذي أحسن كل شيء
خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين* ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار
والأفئدة قليلا ما تشكرون}.
فبعد أن ذكر الله تعالى علمه المطلق الشامل
بالغيب والشهادة، بيّن خلق الإنسان من أوّل أمر تكوينه، حتى نفخ الروح فيه، وهذا
هو "جانب الحيوانية" في الإنسان، ثم عقّب بالإشارة الى الجانب الآخر،
فذكر أهم الحوّاس المساعدة للعقل وهما: السمع والبصر، لأن العقل يفكّر بما يسمع
وبما يرى، فيقدّر ويحكم، وهو "الفؤاد" أي: "القلب" هو مقرّ
الوعي، ومستقرّ الإيمان أو الكفر..
إن العقل " جهاز".. يعمل في
المحسوسات عن طريق الحوّاس، التي تزوّده بالمعلومات اللازمة للحكم، ووجوده في
إدراك المحسوسات عينها، ليس لازما، فإن غير العقلاء من البشر، وكذلك البهائم،
تتعرّف على المحسوسات، فتأكل ما ينفعها، وتترك ما يضرّها، وتبتعد عما يؤذيها، من
دون حاجة الى عقل تميّز به تلك الأشياء.
نعم: إن "لعقل" يعمل في المحسوسات،
أي: في المادة باعتبارها من آيات الله تعالى، لاستخلاص البراهين القاطعة على وجود
الخالق ووحدانيته، والتصديق بما جاء على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام من
الوحي، ومعلوم أن الإنسان مكلّف ومأمور بأعمال فكره في الموجودات، لمعرفة الموجد
الخالق عز وجل معرفة صحيحة، والآيات في كتاب الله تعالى في هذا المعنى كثيرة جدا،
كقوله عز وجل:{ إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي
الألباب}، وقوله جلّ وعلا:{ وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل
الثمرات جعل فيها زوجين إثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون*
وفي الأرض قطع متجاورات وجنّات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء
واحد، ونفضّل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.
أما "عالم الغيب" فلا عمل للحوّاس
منه على الإطلاق، لأن الحوّاس غير صالحة لإدراك المحسوس، ومن طلب معرفة شيء من
الغيب بحوّاسه، فهو جاهل مغفّل، مثله كمثل من يحاول إمساك الهواء أو النور بيده،
والمؤسف حقا وجود هذه النوعية في المجتمع، فأحدهم لا يؤمن بالله تعالى لأنه لم
يره.. وآخر ينكر الآخرة لأنه لم ير أحدا رجع بعد موته فأخبر بها.. وهكذا..
ولو سألهم سائل: أين عقولكم يا هؤلاء؟؟..
لسكتوا.. وبهتوا.. ولكنّنا نحن نعرف: أين هي عقولهم؟.. إنها في شهوات بطونهم
وفروجهم..، فأحدهم قزّم عقله ومسخه، وجعله في بطنه وفرجه.. فلذلك هو لا يعقل.. ولا
يفقه.. ولا يعلم.. ولا يتذكّر.. ولا يتفكّر.. بل كل همّه: "بطنه".. أكلا
وشرابا.. و"فرجه" فحشاء وبغاء.. فهل مثل هذا.. أهل لأن يعرف الله؟..
إنّ الغيب كله محجوب عن حوّاس الخلق، ولا يعلم
أحد من الخلق شيئا من "الغيب"، إلا بإعلام الله عز وجل وإخباره، وهذا
الإعلام لا يكون إلا للرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى:{ عالم الغبل فلا
يظهر على غيبه أحد* إلا من ارتضى من رسول}. ودور "العقل" في هذا المجال
هو: التفكير.. ثم: الحكم الصحيح.. أي: الإيمان والتصديق، مثل: إيماننا بالله
تعالى، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، بكل ما فيه من: بعث.. وحشر..
وحساب... وجنّة.. ونار.. وغير ذلك، والقدر خيره وشرّه، فقد آمنّا بذلك وأمثاله، بعقولنا
التي وهبنا الله إياها، تصديقا للخبر الصادق الذي جاءنا، على لسان رسولنا الأمين
محمد صلى الله عليه وسلم.
***
7- " التفكير"
هو: عمل العقل
إن "التفكير" .. هو العمل البديهي
للعقل، إذ لا فائدة من وجود عقل من غير تفكير، لأن العقل المشلول، ليس بعقل، بل هو
جهاز معطّل، وجوده كعدمه.
فإذا فكّر "العاقل" في أمر
ما..فسينتج عن تفكيره هذا: " تقدير.."، وهذا التقدير: قد يكون صوابا،
وقد يكون خطأ، فيترتّب على ذلك:"حكم.." على ذلك الأمر، قد يكون صوابا،
وقد يكون خطأ، تبعا للتقدير، وهذه العملية الفكرية هي التي سميّناها:"عمل
العقل"..
وهذا التسلسل في عملية التفكير، ليس من عندنا،
بل هو ما وجدناه صريحا في كتاب الله عز وجل، فخذ هذا العرض القرآني الرائع، لعمل
العقل الذي أشرنا إليه وقل: سبحان الله العظيم:
سئل أحد من العتاة الكفرة من العرب في
"مكة"، عن القرآن الكريم" فأجاب.. ولكنّ الله تعالى لم يذكر جوابه
فحسب، بل بيّن لنا بالتسلسل، كيف فكّر ذلك الرجل؟.. وكيف قدّر؟ وكيف حكم؟.. فاستمع
الى قول الله الحكيم في سورة المدّثّر".
1- {إنّه فكّر وقدّر}،
فهذا: تفكير.. ثم: تقدير..
2- {فقتل كيف قدّر* ثم قتل
فقدّر}، هذا توبيخ له على سوء التفكير، وفساد التقدير.
3- {ثم نظر* ثم عبس وبسر*
ثم أدبر واستكبر}، وهذا بيان حال المتكبّر، إذا جوبه بالحق.. فإنه يرفضه ويعرض
عنه.
4- قم بعد هذا، حكم ذلك
الكافر على القرآن فقال:{ إن هذا إلا سحر يؤثر* إن هذا إلا قول البشر}.
5- فكانت عاقبته: وعيدا من
الله تعالى له بالعذاب:{ سأصليه سقر}.
ومّمن فعل مثل ذلك التفكير الفاسد:"النمرود"،
صاحب العقلية "النمرودية"، التي صارت مثلا لكل متجبّر معاند، حتى درج
على ألسنة العوامّ قولهم لمن هذه صفاته:" لا تتنمرد.." وبلا
"نمردة"..
لقد أخبرنا الله تعالى، كيف واجه
"النمرود" الحق والحقيقة، وحاجّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الله
تعالى، كما قال سبحانه: ألم ترى الى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه أن أتاه الملك، إذا
قال إبراهيم: ربّي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم: فإن الله
يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم
الظالمين}.
وبالمقابل: فهناك كثير من الناس، أحسنوا
التفكير والتقدير، فأصابوا.. وقد أخبر الله تعالى عن مشاهيرهم في الأمم السابقة،
ليكونوا أسوة حسنة للعقلاء من الناس، في كلّ زمان ومكان، وينكتفي هنا بذكر مثلين
من هؤلاء الصالحين، الذين فكّروا وتفكّروا، وقدّروا، وحكموا، فأحسنوا التفكر
والتقدير والحكم، هما:
1- مؤمن آل فرعون:
جاءت قصة "مؤمن آل فرعون" مفصّلة، في
سورة "غافر"، التي سميّت أيضا :"سورة المؤمن" إشارة له، وهو
رجل من آل فرعون وخاصّته، آمن بما جاء به موسى عليه السلام، بلا خوف من فرعون ولا
وجل، وقد جادل قومه وحاورهم، محاولا إفهامهم وإقناعهم، فلم يفهموا ولم يعقلوا،
وهذا أهمّ ما قاله هذا المؤمن لقومه:
1- {أتقتلون رجلا أن يقول
ربيّ الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟}.
2- { يا قوم لكم الملك
اليوم ظاهرين في الأرض، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا}.
3- {يا قوم إني
أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب* مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله
يريد ظلما للعباد}.
4- {يا قوم إني
أخاف عليكم يوم التناد* يوم تولّون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله
فما له من هاد}.
5- {يا قوم
اتبعون أهدكم سبيل الرشاد* يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار
القرار}.
6- {ويا قوم
مالي أدعوكم الى النجاة وتدعونني الى النار* تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس
لي به علم وأنا أدعوكم الى العزيز الغفّارْ.
7- ثم ختم نداءاته لقومه
قائلا لهم:{ فستذكرون ما أقول لكم وأفوّض أمري الى الله إنّ الله بصير بالعباد}.
8- فكانت عاقبة هذا الرجل:
النجاة، وكانت عاقبة آل فرعون: الخسران، كما قال الله تعالى:{ فوقاه الله سيئات ما
مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب }.
2- الرجل الساعي من أقصى
المدينة:
جاءت قصة هذا الرجل في سورة "يس"، في
خبر "القرية" التي جاءها المرسلون، فكّذب أهلها المرسلين، وهدّدوهم
بالرجم والتعذيب، فعلم ذلك الرجل المؤمن بالأمر، فأسرع من أقصى المدينة، ناصحا
ومذكّرا، فقتلوه، فاستمع وتدبّر ما قاله هذا الرجل العاقل المفكر، يقول تعالى:{
وجاء من أقصى المديمة رجل يسعى قال: يا قوم اتبعوا المرسلين* اتبعوا من لا يسألكم
عليه أجرا وهم مهتدون* ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون* أأتخذ من دونه
آلهة؟! إن يردن الرحمن بضرّ لا تغن عنّي شفاعتهم شيئا ولا ينقذون* إني إذا لفي
ضلال مبين* إني آمنت بربكم فاسمعون}، فقالت له الملائكة:{ ادخل الجنة، قال: يا ليت
قوم يعلمون* بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين}.
****
8- العقل والهوى
"العقل والهوى" قوّتان تتصارعان في
الإنسان، الأولى منهما وهي: "العقل" بما يمثل من وعي وفهم، والثانية وهي
:" الهوى"، أي:" حبّ الشهوات"، بما يمثل من عجلة وتهوّر
واغترار، ومن المهم جدا للإنسان أن يفرّق بين:" فكر العقل"، و"هوى
النفس"، لئلا يظنّ هواه عقلا، فيضلّ ويهلك.
وما أكثر الذين يتبعون أهواءهم وهم يحسبون أنها
عقولهم، وهؤلاء هم جميع المفتونين والزنادقة، الذين انجرفوا مع الهوى، فروّجوا
الفتن والضلالات بين المسلمين، وهم يحسبون أنهم يعملون عملا حسنا، كما قال عز
وجل:{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا؟* الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم
يحسبون أنهم يحسنون صنعا* أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا
نقيم لهم يوم القيامة وزنا}.
لذلك حذّرنا الله تعالى من اتباع الهوى، مبيّنا
أنه ضلال، فقال عز وجل:{ ومن أضلّ ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟}، وقال
سبحانه:{ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهنّ}.
فإذا سوّلت لك نفسك أمرا، فانتبه، وإذا ثار في
نفسك رأي، فاحذر، واعلم: أن "الهوى" كثيرا ما يخالف الشرع، وأنّك لا
تكون مؤمنا حقا، إلا إذا كان هواك تبعا لما جاء به الرسول الأمين محمد صلى الله
عليه وسلم، دون سواه من البشر.
واعلم: أن "العقل" السليم، لا يتعارض
مع الشرع أبدا، فإن خطر على بالك، أن شيئا من الشرع لم يقبله عقلك، فاعلم أن ذاك
الشرع فيك، ليس عقلك، بل هو هواك، فاحذر الضلال باتباعه، والزم جانب الشرع، فثمّة
النجاة..
ومهما كان الحال، فإن "العقل"
و"الهوى" يجب أن يكونا طوعا لحكم الشرع، ولا يجوز إخضاع الأحكام الشرعية
لموازين العقول، ومقاييس الأهواء، بل على المسلم أن يسمع حكم الله تعالى ويطيع، من
دون شكّ ولا تردد، كما قال الله تعالى:{ فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر
بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلّموا تسليما}، والله المستعان، وهو
الموفق والهادي.
***
كتب:ازمات الشباب الجزء الثاني
Unknown | 2:50 م |
كتب
أزمات؟
مشاكل؟
مشكلات؟
استقر الرأي أخيرا، على تسمية هذا الكتاب بـ
"أزمات الشباب"، بعد أن تردد في الخاطر تسميته بـ " مشاكل
الشباب"، وذلك لأن البعض يعتبر كلمة:" مشاكل" خطأ لغويا، صوابها
" مشكلات"، ولكي أحسم هذا الأمر عدت الى قواميس اللغة فوجدت التالي:
[" المشكل" هو: الداخل في أشكاله،
أي: أمثاله وأشباهه، جمعه:" مشكلات"، وكل مختلط " مشكل" و
"الشكلة" : الحمرة تختلط بالبياض، وهذا شيء أشكل، ومنه قيل للأمر
المشتبه: مشكل، وأشكل عليّ الأمر: إذا اختلط] (انتهى من القواميس).
أما كلمة " مشاكل"، فلم ترد في أي من
القواميس الأمهات التي رجعت إليها، ولم يذكرها إلا صاحب "تاج العروس"
حيث قال:[ وهو يفك المشاكل، أي: الأمور الملتبسة] ولم يذكر غير ذلك.
وهذا المعنى اللغوي، هو الذي استعمله علماء
"أصول الفقه"، في باب:"المشكل"، حيث عرّفوه بأنه "الداخل
في أشكاله" أي: الذي أشكل على السامع طريق الوصول الى معناه، لدقة المعنى في
نفسه لا بعارض، فلا يعرف إلا بدليل يتميّز به، وأطلقوا "المشكلة" على
الكلمة التي أشكل المعنى المراد بها، ومثلوا على ذلك بكلمة: " أنّى" في
قوله تعالى:{ فأتوا حرثكم أنّى شئتم}، فكلمة: "أنّى" مشكلة، تجيء تارة
بمعنى:" من أين"، وتارة بمعنى :" كيف"، فاشتبه ههنا المعنى
المراد، فإن كان بمعنى: " أين"، يكون المعنى:" من أي مكان
شئتم" قبلا أو : دبرا، فتحلّ اللواطة من إمرأته على هذا المعنى، وإن كان
بمعنى: "كيف"، يكون المعنى:" بأي كيفية شئتم" قائما أو قاعدا
أو مضطجعا، فيدلّ على تعميم الأحوال دون المحال، فإذا تأملنا في لفظ
"الحرث" من قوله تعالى :{ فأتوا حرثكم}، علمنا أن كلمة:"
أنّى" هنا بمعنى:" كيف"، لأن الدبر ليس موضع الحرث، بل هو موضع
الفرث، فتكون اللواطة من امرأته حراما، لكن حرمتها ظنيّة فلا يكفر مستحلها. ( عن
كتب الأصول بتصرف).
فيتضح مما تقدّم: أن كلا من: "
المشكل"، و"المشكلة" و"المشاكل" و"المشكلات"،
هي مفردات وجموع، تدلّ على المختلط الملتبس من الأشياء، ولا تدل على ما نعنيه في
هذا الكتاب، وهو الإنحرافات والمخالفات التي يرتكبها الإنسان، وإنّ استعمالنا ـ
كغيرنا ـ هذه الكلمات بالمعنى المذكور، هو من باب التوسّع في تحميل اللغة معاني لا
تحتملها في الأصل، ولا أرى لهذا التحميل مبرّرا، فلذلك عدلت عن تسمية الكتاب بأي
إسم مشتق من "شكل"، وآثرت أن أسميّه بـ " أزمات الشباب"، وذلك
لأن من معاني "الأزمة" في اللغة : " الشدّة"، يقال: تأزم
القوم: إذا أصابتهم أزمة، وتألموا لأزمة الزمان، ومعنى "الأزمة" الذي
هو: " الشدّة" عام يدخل فيه: المصائب، والمعاصي، والضلالات.. إلخ، لأن
من ارتكب معصية، أو حلّت به بليّة أو مصيبة، فقد وقع من " شدة"، و"
الشدائد" كثيرة.. والله المستعان.
مراحل حياة الإنسان
1- مرحلة:
"الجنانة".
2- مرحلة: "الطفولة
والصبا".
3- مرحلة:
"الأشد" وهي: مرحلة الشباب.
4- مرحلة: "الشيخوخة".
5- النهاية:
"الموت".
لقد شاء الله تبارك وتعالى أن يجعل في الأرض
خليفة، فخلق "آدم" عليه السلام من تراب، ثم خلق منه زوجه "
حواء" عليها السلام، ومنهما بدأ التناسل البشري، كما قال عز وجل :{ يا أيها
الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا
ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}.
وقد بيّن الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:
أنه خلق الأنسان على أطوار ومراحل، متتابعة متلاحقة متكاملة، كما قال عز وجل
مخاطبا الكافرين خطاب توبيخ:{ ما لكم لا ترجون لله وقارا* وقد خلقكم أطوارا}،
والمراد بالأطوار: مراحل خلق الإنسان في رحم أمه، ومراحل نشأته وحياته، وكذلك
مراحل خلق أبي البشرية "آدم" عليه السلام.
فالله عز وجل خلق "آدم": من
"تراب"، ثم من "طين"، ثم من "حمإ مسنون" أي: طين
لزج متغيّر الرائحة، ثم من طين يابس، هو "الصلصال"، يسمع منه صوت إذا
نقر عليه كالفخّار، ثم نفخ فيه الروح، فصار إنسانا حيّا، عاقلان ناطقا، مستوي
القامة، جميل الهيئة، كامل الخلقة، ثم علّمه الله تعالى الأسماء كلها. وبعد ذلك
خلق تعالى من "آدم" زوجه "حواء"، ليسكن إليها، وليكون منهما
تناسل البشرية بطريق الزواج.
فبدأ التناسل البشري، مع أول ولد من أولاد
"آدم"، عن طريق الحمل والولادة، في أطوار ومراحل، تدلّ على عظمة الله
تعالى، الذي خلق الإنسان وسائر الأكوان، كما قال عز وجل:{ ذلك عالم الغيب والشهادة
العزيز الرحيم* الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين* ثم جعل نسله من
سلالة من ماء مهين}.
***
1- مرحلة الجنانة
ذكر الله عز وجل هذه المرحلة بالإجمال
والتفصيل، في كتابه العزيز، فقال تعالى:{ هو أعلم بكم إذ أنشاكم من الأرض وإذ أنتم
أجنّة في بطون أمهاتكم}، ثم فصّل الله عز وجل مراحل نمو "الجنين" في بطن
أمه، مرحلة مرحلة، وطورا طورا، وذلك في عدد كبير من الآيات القرآنية، منها قوله
تعالى في سورة "المؤمنون" :{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم
جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه
خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين}.
وكذلك السنّة النبوية الشريفة، فقد جاء فيها،
عن رسولنا الأمين محمد صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة، في أطوار نمو الجنين
البشري، ومتى ينفخ فيه الروح، ومن أجمعها: ما رواه الشيخان، عن عبدالله بن مسعود،
رضي الله عنه قال: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق:"
إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون
مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب:
رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد.." الحديث.
2- مرحلة "الطفولة
والصبا"
مرحلة " الصبا" هي فترة
"الطفولة"، فالمولود يسمى "طفلا"، و"صبيا" أو
"صبية"، منذ الولادة حتى البلوغ، لقوله تعالى:{ وإذا بلغ الأطفال منكم
الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم}.
وهذه المرحلة لا تكليف فيها على الإنسان، لما
جاء في الحديث الشريف، الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من طرق، عن عمر بن الخطاب
وعلي ابن أبي طالب وعائشة، رضي الله عنهم، مرفوعا الى النبي صلى الله عليه
وسلم:" رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن
النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"، أي: لا يعاقب الصبي على ارتكابه
محرما، ولا تدوّن عليه سيئة، حتى يبلغ فيصير مكلفا.
ولكن: من واجبات الوالدين والمربين، ان يؤدّبوا
الصبيّ والصبية، إذا فعلا ما يخالف الشرع وآدابه، ويزجروهما عن فعل القبيح،
ويعوّدوهما على الطاعات والواجبات، وترك المنهيات، طبقا لما أمر به النبي صلى الله
عليه وسلم في الحديث الشريف، الذي رواه أبو داود والترمذي، ولفظه لأبي داود:"
مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا
بينهم في المضاجع"، والمراد: الضرب باليد ضربا غير مبرّح ولا مؤذ.
ومما لا شك فيه: أن هذه المرحلة هي مرحلة
التأسيس، والتأثير والغرس، في شخصية الولد، في جميع المجالات، والإسلام قد أمر
أولي الأمر عن الصغار، بإحسان توجيههم وتربيتهم وتعليمهم، فقام المسلمون بالمهمة
خير قيام، حتى صار "المسلم" مثلا يحتذى به في الأخلاق والمعاملة،
واعتنوا بالعلم وبتلقين الصغار العلوم على أنواعها، في سن مبكّرة، حيث درج
الكثيرون على تحفيظ الأولاد القرآن الكريم من سن الخامسة، فلا يصل الولد الى
العاشرة من عمره، حتى يكون قد حفظ القرآن عن ظهر قلب، وقد كان هذا سابقا، ولا يزال
حتى الآن في بلاد المسلمين، وإن كان على نطاق غير واسع، فنبع في المسلمين جهابذة
العلماء، في مختلف الفنون.
***
3- مرحلة "
الأشد"
جاء ذكر هذه المرحلة في مواضع من القرآن
العظيم، منها قوله عز وجل في سورة "الأحقاف"، عن الإنسان البارّ
بوالديه:{ حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي
أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي من ذريّتي إني تبت إليك
وإني من المسلمين}، وقوله تعالى:{ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى
يبلغ أشدّه}.
و" الأشد" في اللغة: "القوة،
ومبلغ الرجل الحنكة والمعرفة"، وقال الأزهري: " الأشد" في كتاب
الله على ثلاثة معان يقرب إختلافها:
1- فأمّا قوله تعالى في
قصة "يوسف" عليه السلام:{ ولما بلغ أشدّه آتيناه حكما وعلما}، فمعناه:
الإدراك والبلوغ، وحينئذ راودته امرأة العزيز عن نفسه، وكذلك قوله تعالى:{ ولا
تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه}.
2- وأما قوله تعالى في قصة
موسى عليه السلام:{ ولما بلغ أشدّه واستوى آتيناه حكما وعلما}، فإنه قرن بلوغ
" الأشد" بالإستواء، وهو: أن يجتمع أمره وقوّته، ويكتهل وينتهي شبابه.
3- وأما قوله تعالى في
سورة " الأحقاف":{ حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة}، فهو أقصى نهاية
بلوغ الأشد وعند تمامها بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا، وقد اجتمعت
حنكته وتمام عقله (انتهى قول الأزهري).
أما مبدأ هذه المرحلة ونهايتها، ففي ذلك أقوال،
أهمّها: أن " الأشد" يبدأ ببلوغ الإنسان رشيدا، و"الرشد" هو:
أن يبلغ عاقلا مأمونا على نفسه، حسن التصرّف، وحدّد بعضهم سنّ الرشد بثماني عشرة
سنة، وبعضهم بسبعة عشر سنة، وقال الجوهري في "الصّحاح": "
الأشد" ما بين ثماني عشرة الى ثلاثين سنة.
وخلاصة القول الذي يهمنا هنا: أن مرحلة
"الأشد" هي: مرحلة النضج والعقل وحسن التصرّف، وهي "مرحلة
الشباب" التي هي موضوع هذا الكتاب.
***
4- مرحلة "
الشيخوخة"
"الشيخوخة" هي المرحلة الأخيرة من
مراحل حياة الإنسان، وقد إختلف العلماء في تحديد أولها، فاعتبرها بعضهم من سنّ
الخمسين، وبعضهم قال غير ذلك، ولكن: لا خلاف على أنها آخر المراحل، وأن أحوال الإنسان
فيها متفاوتة، فآخرها عجز، وهرم، وضعف، وخرف، كما وصفها الله عز وجل بقوله:{ ونقرّ
في الأرحام ما نشاء الى أجل مسمّى ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدّكم ومنكم من
يتوفى ومنكم من يردّ الى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا}.
***
5- النهاية:
"الموت"
"الموت" هو نهاية كل نفس، كما قال عز
وجل، {كل نفس ذائقة الموت}، وقال كعب بن زهير في قصيدته "بانت سعاد":
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوما على آلة حدباء منقول
ونحن لم نختم مراحل حياة الإنسان بذكر هذه
النهاية، إلا لنذكّر أنفسنا والمسلمين جميعا بهذه النهاية، وبوجوب الإستعداد لها،
والعمل لما بعدها، فإنّ ما بعدها خطير وخطير، فهناك: إما جنّة أبدا.. وإما نار
أبدا.. هناك: لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا تحاسب نفس إلا عنها، { ولا يسأل حميم
حميما}، { يوم يفرّ المرء من أخيه* وأمه وأبيه* وصاحبته وبنيه* لكل امرئ منهم
يومئذ شأن يغنيه}.





